محمد بيومي مهران

65

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

على الأخرى ، ذلك لأنه من الجلي أن بين الرواية العبرية والبابلية عناصر مشتركة كثيرة ، وربما رجعا كلاهما إلى مصدر واحد « 1 » . وإذا ما أردنا أن نقدم أدلة على ذلك ، وجدنا عدة مقابلات بين قصة الطوفان في التوراة ، وبينها في الأدب الميزوبوتامي القديم ، فمن ذلك ( أولا ) أن الطوفان هنا وهناك بسبب إلهي ، وذلك حين قررت القوى الإلهية أن تقضي على الجنس البشري عن طريق طوفان عظيم ، ومنها ( ثانيا ) أن البطل هنا وهناك ينال تحذيرا مما هو مؤكد أن يكون ، فيبني فلكا للخلاص ، وهذا الفلك يطليه بالقار حتى لا ينفذ إليه الماء ، ويحضر معه حيوانات وطيور ويدخلها إلى الفلك ، فينقذ نفسه وينقذ معه صنوف الكائنات الحية جميعا ، ومنها ( ثالثا ) أن الطوفان هنا وهناك كان لأن القوم قد فسدوا ، وأن الشر قد انتشر بينهم ، وأن المبادئ الخلقية قد لطخت تماما ، ومن ثم فالطوفان للقضاء على بذرة البشر « 2 » . ومنها ( رابعا ) أن بطل القصة هنا وهناك كان رجلا كريم الخلق ، نقي السريرة ف « زيوسودرا » في القصة السومرية يوصف بالتقوى ، وبأنه ملك متواضع يخشى الإله ، والأمر كذلك بالنسبة إلى نوح التوراة ، فقد كان « رجلا بارا كاملا في أجياله ، وسار مع اللّه » « 3 » ، ومنها ( خامسا ) أن الأمطار الغزيرة قد هطلت هنا وهناك ، ومن ثم فقد تجمع الطوفان بمقدار كبير ، ودام أياما يختلف عددها قلة أو كثرة ، وكان في كلتا الحالتين بأسباب طبيعية ، ريح عاتية وأمطار مستمرة ، وعواصف مرعبة في القصة البابلية ، و « انفجار كل ينابيع الغمر العظيم ، وانفتاح طاقات السماء » في القصة التوراتية ، ومنها ( سادسا ) أن البطل هنا وهناك قد أنقذ هو وعائلته ، وكذا الحيوانات التي صاحبته في السفين ، وإن كان عدد الناجين في القصة البابلية ، أكثر منه في القصة التوراتية ، ومنها ( سابعا ) أن السفينة الضخمة - والمكونة من عدة طوابق - تظهر هنا

--> ( 1 ) قاموس الكتاب المقدس - ج 2 - ص 584 . ( 2 ) M . F . Unger , op . cit . , P . 372 . ( 3 ) راجع كتابنا إسرائيل ص 145 .